| إشراق شبيل: مثال التهيئة العمرانية في القانون التونسي |
|
|
| Wednesday, 11 February 2009 02:23 | ||
يعتبر ظهور قانون التهيئة الترابية والتعمير في تونس نتيجة حتمية لتنامي الوعي بأهمية التخطيط الترابي والعمراني ومحاولة من نوع جديد لتجاوز سلبيات الوضع السابق للمجلة الجديدة الصادرة بمقتضى قانون عدد 122 لسنة 1994 المؤرخ في 28 نوفمبر 1994 بعد أن تأكد قصور النص السابق المنظم لهذه المادة عن الإلمام بكل الجزئيات ومقتضيات المجال المذكور. وهو ما برر قيام المشرع التونسي بالجمع بين التهيئة الترابية والتهيئة العمرانية ضمن نفس المجلة نظرا لتداخلهما وترابطهما العميق من جهة، ولرغبته الملحة في تكريس أفضل لفكرة التهيئة ككلوالقائمة على منطق العقلانية والتخطيط والتنظيم من جهة أخرى.
ولتحقيق هذه الأهداف يتم استخدام مجموعة من الوسائل والتقنيات من بينها خاصة مثال التهيئة العمرانية وهي وثيقة نص الفصل 12 من مجلة التهيئة على أنها تضبط قواعد وارتفاقات استعمال الأراضي وتحدد جملة من العناصر كالمناطق الترابية حسب الاستعمال الرئيسي المحدد لها أو طبيعة الأنشطة السائدة أو كذلك كثافة البناء ورسم طرقات الجولان وغيرها من المجالات التي تجعل هذا الصنف من الأمثلة ذو مضمون محدد وتجسيم تشريعي لفكرة التهيئة العمرانية ككل، وهو في هذا المستوى وغيره من الجوانب يختلف عن أمثلة أخرى معمول بها في القانون التونسي ونظمتها مجلة التهيئة كالمثال التوجيهي للتهيئة الترابية أو كذلك المثال التفصيلي .إذ يعتبر الصنف الأول بدوره أداة ووسيلة لتحقيق أهداف التهيئة الترابية المحدد مضمونها بكل دقة بمقتضى الفصل 2 والذي لخصها في : " جملة الاختيارات والتوجهات والإجراءات التي يتم ضبطها على المستوى الوطني أو الجهوي بهدف تنظيم استعمال المجال الترابي والتي من شأنها أن تضمن خاصة التناسق في تركيز المشاريع الكبرى للبنى الأساسية والتجهيزات العمومية والتجمعات السكنية ". وذلك في مقابل غياب تعريف تشريعي ضابط لمفهوم التهيئة العمرانية. أما بالنسبة للمثال التفصيلي وبالرجوع إلى الفصل 32 من المجلة فوظيفته تتمثل بالأساس في ضبط مواقع البنايات وغيرها من طرق استعمال الأراضي ، كما يضبط أيضا شبكة الطرقات والشبكات المختلفة والارتفاقات الواجب احترامها. لكن ورغم هذا الاختلاف القائم ظاهريا بين مختلف الأمثلة المذكورة فإنه لا جدال في فاعلية جملة القواعد الموضوعة بمقتضى مجلة 1994 والموجهة حسب الفصل الأول منها لتنظيم واستعمال أمثل للمجال الترابي والتخطيط وإنشاء التجمعات السكنية. وهي في الواقع قواعد لم تنشأ بين ليلة وضحاها وإنما سبقتها محاولات وتجارب متنوعة جسمتها النصوص المتفرقة التي صدرت في البلاد التونسية على امتداد فترات متنوعة من تاريخها والتي نظمت مسائل ومجالات متعددة منها التهيئة العمرانية إذ سجل أول ظهور للأمثلة الخاصة بهذه الأخيرة بمقتضى الأمر المؤرخ في 25 جانفي 1929 المتعلق بامتداد تجمعات المناطق العمرانية كما سعت إلى تنظيم وتقنين هذا الصنف من الوثائق العديد من النصوص المتتالية أهمها أمر 10 سبتمبر 1943 المتعلق بالهندسة المعمارية وتنظيم المدن وصولا إلى مجلة التعمير الصادرة بتاريخ 15 أوت 1979 والتي أقرت مبدأ العمل بمثال التهيئة العمرانية . وهي في الواقع مجلة قامت بإدخال تغييرات جوهرية وعلى مستويات مختلفة كالتقنيات المعتمدة أو الخيارات المتبناة المتعلقة بالتخطيط الترابي والعمراني. ويمكن القول أن هذا التجديد إنما هو مجهود يندرج في إطار محاولة عقبت فترة ما بعد الاستقلال لتطوير البلاد من خلال تبني اختيارات اقتصادية واجتماعية جديدة للنهوض بالرصيد العمراني الموجود آنذاك وغيره من العناصر المميزة للواقع التونسي. غير أنه تمت ملاحظة العديد من النقائص المستمرة لقانون 1979 وكما أكد على ذلك الأستاذ صالح بوسطعة فإن مجلة التعمير تعد مجرد " ... تصور ترتيبي للموضوع العمراني" إذ لم تتوصل إلى تحقيق الشمولية بمعنى أنها عجزت عن الإلمام بمقتضيات التخطيط العمراني وأمثلة التهيئة العمرانية وغفلت خاصة عن توفير الآليات المؤسساتية والمالية لتطبيق الأمثلة وضمان تحقيق أهدافها. وهو ما أدى إلى ظهور قانون عدد 122 لسنة 1994 المتعلق بإصدار مجلة التهيئة الترابية والتعمير والتي تم من خلالها العمل على تجاوز هذه النقائص رغم أنها بدورها عرفت وشهدت العديد من التنقيحات المتتالية مما يكشف تذبذبا وتغيرا مستمرا في مستوى السياسة المتبعة وهو تطبيق يمكن الجزم بتأثيره بشكل أو بآخر على محتوى الحلول العمرانية والترابية المختارة، ويلاحظ في كل التشريعات وفي مختلف البلدان إذ عرف القانون الفرنسي بدوره العديد من التطورات في هذا المضمار كرست خصوصيته بالمقارنة مع نظامنا الذي يمثل وكسائر البلدان العربية صورة طبق الأصل من الأنظمة الأوروبية ساهمت هي الأخرى في إكساب تلك البلدان خصوصية من نوع آخر هذه المرة.
إشراق شبيل، أستاذة القانون بالمعهد العالي للدراسات القانونية والسياسية بالقيروان
Comments (5)
Powered by !JoomlaComment 4.0 beta1
!joomlacomment 4.0 Copyright (C) 2009 Compojoom.com . All rights reserved." |






يعتبر ظهور قانون التهيئة الترابية والتعمير في تونس نتيجة حتمية لتنامي الوعي بأهمية التخطيط الترابي والعمراني ومحاولة من نوع جديد لتجاوز سلبيات الوضع السابق للمجلة الجديدة الصادرة بمقتضى قانون عدد 122 لسنة 1994 المؤرخ في 28 نوفمبر 1994 بعد أن تأكد قصور النص السابق المنظم لهذه المادة عن الإلمام بكل الجزئيات ومقتضيات المجال المذكور. وهو ما برر قيام المشرع التونسي بالجمع بين التهيئة الترابية والتهيئة العمرانية ضمن نفس المجلة نظرا لتداخلهما وترابطهما العميق من جهة، ولرغبته الملحة في تكريس أفضل لفكرة التهيئة ككلوالقائمة على منطق العقلانية والتخطيط والتنظيم من جهة أخرى.
ولتحقيق هذه الأهداف يتم استخدام مجموعة من الوسائل والتقنيات من بينها خاصة مثال التهيئة العمرانية وهي وثيقة نص الفصل 12 من مجلة التهيئة على أنها تضبط قواعد وارتفاقات استعمال الأراضي وتحدد جملة من العناصر كالمناطق الترابية حسب الاستعمال الرئيسي المحدد لها أو طبيعة الأنشطة السائدة أو كذلك كثافة البناء ورسم طرقات الجولان وغيرها من المجالات التي تجعل هذا الصنف من الأمثلة ذو مضمون محدد وتجسيم تشريعي لفكرة التهيئة العمرانية ككل، وهو في هذا المستوى وغيره من الجوانب يختلف عن أمثلة أخرى معمول بها في القانون التونسي ونظمتها مجلة التهيئة كالمثال التوجيهي للتهيئة الترابية أو كذلك المثال التفصيلي .








